اضغط على زر المشاهدة في اسفل الصفحة (بعد تقديم الفريقين)
تقديم الترجي الرياضي التونسي :
تعتبر الترجي الرياضي التونسي أكثر من مجرد نادي كرة قدم يمارس نشاطه في رقعة الميدان، بل هو كيان يختزل في طياته تاريخاً طويلاً من النضال والهوية الوطنية التي انطلقت منذ سنة 1919 في أزقة باب سويقة العريقة. منذ تلك اللحظة التي قرر فيها المؤسسون الأوائل مثل محمد الزواوي والهادي القلال وضع حجر الأساس لهذا الصرح، لم يكن الهدف مجرد الترفيه، بل كان إثباتاً للذات التونسية في وجه الاستعمار، ومن هنا استمد الفريق لقبه الشهير "شيخ الأندية التونسية". هذا الإرث التاريخي هو الذي جعل من قميص "الأحمر والأصفر" رمزاً لا يقبل بغير الريادة، حيث تحول النادي عبر العقود من فريق يبحث عن مكانه، إلى "غول" يلتهم الألقاب محلياً وقارياً، فارضاً سطوته بفضل استقرار إداري وفني قل نظيره في القارة السمراء.
عند الحديث عن الترجي في تونس، فنحن نتحدث عن الهيمنة المطلقة على البطولة المحلية، حيث أصبح التتويج بلقب الدوري عادة سنوية تكاد لا تنقطع، ما جعل الفجوة بينه وبين ملاحقيه تتسع ليس فقط في عدد الكؤوس، بل في عقلية "الثقافة الفائزة" التي تزرع في كل لاعب يطأ قدماه مركب حسان بلخوجة. إن هذا التفوق المحلي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة استراتيجية بعيدة المدى تعتمد على توفير إمكانيات مادية ضخمة وبنية تحتية متطورة، تجعل الفريق دائماً في حالة جاهزية تامة. الكرة في الترجي ليست مجرد تسعين دقيقة، بل هي مؤسسة تدار باحترافية تسعى دائماً لتجاوز الأزمات بسرعة والعودة إلى منصات التتويج، وهو ما يفسر كيف يستطيع الفريق تجديد دمائه في كل مرة دون أن يفقد هيبته أو بريقه المعتاد.
أما على الصعيد الإفريقي، فإن اسم الترجي يرعب المنافسين في القارة من شمالها إلى جنوبها، فالنادي الذي توج بلقب دوري أبطال إفريقيا في مناسبات متعددة، منها الرباعية التاريخية، أثبت أن شخصية البطل هي ميزة وراثية تنتقل من جيل إلى جيل. الملاحم التي سطرها الفريق في ملعب رادس، والريمونتادات التاريخية مثل تلك التي حدثت أمام الأهلي المصري في 2018، ستبقى محفورة في ذاكرة كرة القدم الإفريقية كدليل على أن "الترجي لا يستسلم أبداً". إن قوة الترجي قارياً لا تكمن فقط في جودة اللاعبين، بل في تلك "الغرينتا" والروح القتالية التي تجعل الفريق قادراً على قلب الطاولة في أصعب الظروف، وهو ما جعل "المكشخة" رقماً صعباً في كل المحافل الدولية، وصولاً إلى المشاركات المتكررة في كأس العالم للأندية التي رفعت من سقف طموحات الجماهير.
وبالحديث عن الجماهير، لا يمكن اختزال الترجي في اللاعبين أو الإدارة فقط، فجمهور "الدم والذهب" هو الوقود الحقيقي الذي يحرك هذه الآلة الجبارة. "الفيراج" الترجحي، أو "الكورفا سود"، يمثل حالة فنية واجتماعية فريدة، حيث تبدع الجماهير في رسم "الدخلات" التي تجوب صورها العالم، وتهتف بأهازيج تلخص قصة عشق لا تنتهي. هذا الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة، بل هو الرقيب الأول والمحفز الدائم، الذي يضغط من أجل الكمال ويرفض أي تراجع في المستوى، مما يخلق ضغطاً إيجابياً يدفع باللاعبين دائماً نحو تخطي حدودهم. العلاقة بين الترجي وجمهوره هي علاقة عضوية، حيث يشعر المشجع أنه جزء من القرار وجزء من التاريخ، مما يجعل من الانتماء لهذا النادي فخراً يتوارثه الأبناء عن الأجداد.
من الناحية الفنية، مر على تاريخ النادي أساطير صنعوا مجده، من طارق ذياب "إمبراطور" الكرة التونسية، إلى شكري الواعر السد المنيع، وصولاً إلى جيل المساكني وبلايلي والبدري وغيرهم من الذين صالوا وجالوا في الملاعب الإفريقية. كل جيل ترك بصمة خاصة، لكن القاسم المشترك كان دائماً هو الانضباط التكتيكي والقدرة على تطويع المباراة لصالحهم. المدرسة الترجحية في كرة القدم تعتمد على توازن دقيق بين الدفاع الصلب والهجوم الخاطف، مع التركيز على الكرات الثابتة التي لطالما كانت سلاحاً فتاكاً للفريق. هذه الهوية الكروية الواضحة هي التي تسمح للمدربين المتعاقبين بالبناء على أسس متينة، بدلاً من البدء من الصفر في كل مرة، مما يضمن الاستمرارية في الأداء والنتائج.
وفي ظل التحديات الحديثة لكرة القدم، يواصل الترجي تطوير نفسه من خلال التركيز على أكاديمية الشبان والبحث عن المواهب في إفريقيا وخارجها، مع الحفاظ على التوازن المالي الذي يحميه من الهزات التي تعصف بأندية كبرى أخرى. إن طموح النادي لا يتوقف عند حدود تونس أو إفريقيا، بل يمتد ليكون دائماً ضمن الصفوة العالمية، ممثلاً للكرة التونسية والعربية أحسن تمثيل. الترجي اليوم هو قصة نجاح مستمرة، حكاية نادٍ رفض أن يكون عادياً، واختار أن يكون "الدولة" كما يحلو لمحبيه تسميته، فارضاً منطقه الخاص في عالم الساحرة المستديرة، ومثبتاً أن العمل والجدية هما الطريق الوحيد للخلود في سجلات العظمة الرياضية.
تقديم نجم المتلوي :
يُمثل نادي النجم الرياضي بالمتلوي قصة كفاح فريدة في كرة القدم التونسية، فهو النادي الذي نبت من رحم المعاناة ومن غبار المناجم في الحوض المنجمي ليصنع لنفسه مكاناً تحت أضواء النخبة. منذ تأسيسه في سنة 1950، لم يكن الفريق مجرد جمعية رياضية عابرة، بل كان المتنفس الوحيد لعمال المناجم وعائلاتهم في مدينة المتلوي العريقة، حيث ارتبط اسم النادي بالكدح والعمل الشاق، وهو ما انعكس على هوية الفريق فوق الميدان. إن تاريخ "نجم المناجم" هو سجل حافل بالصمود، حيث نجح النادي في الحفاظ على جذوره المحلية وتجسيد روح الانتماء لجهة قفصة، محولاً شح الإمكانيات إلى طاقة جبارة جعلت منه رقماً صعباً في معادلة الدوري التونسي الممتاز، مبرهناً على أن الإرادة والعزيمة قادرة على تطويع الصعاب ومقارعة كبار الأندية في البلاد.
عند النظر إلى مسيرة نجم المتلوي في العقد الأخير، نجد أن الفريق نجح في تحقيق طفرة نوعية جعلته ضيفاً دائماً ومزعجاً في الرابطة المحترفة الأولى، حيث استطاع بفضل واقعيته الفنية واستقراره النسبي أن يكسر قاعدة "المصعد" التي تعاني منها أندية الظل. القوة الحقيقية لهذا النادي تكمن في ملعبه وأمام جماهيره، حيث يتحول "المناجم" إلى حصن منيع يصعب اختراقه حتى على أعرق الفرق التونسية. إن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتخطيط يعتمد على روح المجموعة والصلابة الدفاعية، مما جعل من نجم المتلوي مدرسة في "الغرينتا" والقتالية، حيث يلعب الفريق كل مباراة وكأنها معركة مصيرية دفاعاً عن راية المدينة وتاريخها المرتبط بعرق الجبين وكفاح العمال.
وتمتد علاقة نجم المتلوي بمحيطه الاجتماعي لتكون علاقة عضوية لا تنفصم، فالنادي هو المحرك الأساسي لمشاعر الفخر في المنطقة، والانتصار فوق الميدان يعني بالنسبة للمشجعين انتصاراً لكرامة الجهة واعترافاً بمكانتها. جماهير النجم، التي تُعرف بوفائها المنقطع النظير، لا تكتفي بتشجيع الفريق في المدرجات، بل تعتبر النادي أمانة تاريخية يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة. هذه الجماهير هي التي تمنح اللاعبين تلك الشحنة المعنوية التي تجعلهم يتفوقون على أنفسهم في اللحظات الحرجة، وهي التي تجعل من كل تنقل للفريق رحلة محفوفة بالدعم والمؤازرة، مما يخلق رابطاً وجدانياً يجعل من قميص النجم مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق كل من يرتديه، إذ يدرك اللاعبون أنهم يحملون أحلام وتطلعات مدينة كاملة تعيش على وقع ركلات الكرة.
من الناحية الفنية والتكتيكية، لطالما تميز نجم المتلوي بقدرته العالية على اكتشاف المواهب المغمورة وإعادة إحياء مسيرة لاعبين اعتقد البعض أن قطار الكرة قد فاتهم، بفضل بيئة العمل التي تسودها الروح العائلية والانضباط. يعتمد الفريق في أسلوب لعبه على الجماعية والتغطية المتبادلة، مع التركيز على التحولات الهجومية السريعة التي أرهقت كبار الحراس والمدافعين في تونس. كما أن النادي أصبح بمرور الوقت مخزناً للاعبين الذين ينتقلون لاحقاً إلى الأندية الكبرى أو يحترفون خارج الحدود، مما يؤكد جودة التكوين الفني والقدرة على صقل المواهب رغم قسوة الظروف. إن النجم الرياضي بالمتلوي ليس مجرد فريق كرة قدم، بل هو رسالة أمل من قلب الجنوب، تؤكد أن شمس الإبداع والتميز تشرق أيضاً من بين الجبال والمناجم، لتضيء سماء الرياضة التونسية بألوان التحدي والإصرار.

